ابن قيم الجوزية

509

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وأصحابه - لتحكيمهم الحال والذوق - لا يلتفتون إلى لسان العلم ، ولا يصغون إليه . وفي هذا كفاية . واللّه المستعان . منزلة الإيثار ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الإيثار » . قال اللّه تعالى : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ الحشر : 9 ] . فالإيثار ضد الشح . فإن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه . والشحيح : حريص على ما ليس بيده . فإذا حصل بيده شيء شحّ عليه . وبخل بإخراجه . فالبخل ثمرة الشح . والشح يأمر بالبخل ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إياكم والشح . فإن الشح أهلك من كان قبلكم . أمرهم بالبخل فبخلوا . وأمرهم بالقطيعة فقطعوا » . فالبخيل : من أجاب داعي الشح . والمؤثر : من أجاب داعي الجود . كذلك السخاء عما في أيدي الناس هو السخاء . وهو أفضل من سخاء البذل . قال عبد اللّه بن المبارك : سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل . وهذا المنزل : هو منزل الجود والسخاء والإحسان . وسمي بمنزل « الإيثار » لأنه أعلى مراتبه ، فإن المراتب ثلاث : إحداها : أن لا ينقصه البذل ، ولا يصعب عليه . فهو منزلة « السخاء » . الثانية : أن يعطي الأكثر ، ويبقي له شيئا ، أو يبقي مثل ما أعطى . فهو « الجود » . الثالثة : أن يؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه ، وهو مرتبة « الإيثار » وعكسها « الأثرة » وهو استئثاره عن أخيه بما هو محتاج إليه . وهي المرتبة التي قال فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للأنصار رضي اللّه عنهم « إنكم ستلقون بعدي أثرة . فاصبروا حتى تلقوني على الحوض » والأنصار : هم الذين وصفهم اللّه بالإيثار في قوله : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ الحشر : 9 ] فوصفهم بأعلى مراتب السخاء ، وكان ذلك فيهم معروفا . وكان قيس بن سعد بن عبادة رضي اللّه عنهما من الأجواد المعروفين . حتى إنه مرض مرة ، فاستبطأ إخوانه في العيادة . فسأل عنهم ؟ فقالوا : إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين . فقال : أخزى اللّه مالا يمنع الإخوان من الزيارة . ثم أمر مناديا ينادي : من كان لقيس عليه مال فهو منه في حلّ . فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه ، لكثرة من عاده . وقالوا له يوما : هل رأيت أسخى منك ؟ قال : نعم . نزلنا بالبادية على امرأة . فحضر زوجها . فقالت : إنه نزل بك ضيفان . فجاء بناقة فنحرها ، وقال : شأنكم ؟ فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها . فقلنا : ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير . فقال : إني لا أطعم ضيفاني البائت . فبقينا عنده يومين أو ثلاثة ، والسماء تمطر . وهو يفعل ذلك . فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته ، وقلنا للمرأة اعتذري لنا إليه . ومضينا . فلما طلع النهار إذا نحن برجل يصيح